ابن كثير

30

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان بالجابية ، فذكر فتح بيت المقدس قال : قال أبو سلمة : فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم ، قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب : أين ترى أن أصلي ؟ فقال : إن أخذت عني صليت خلف الصخرة ، فكانت القدس كلها بين يديك ، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ضاهيت اليهودية ، ولكن أصلي حيث صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتقدم إلى القبلة فصلى ، ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه ، وكنس الناس ، فلم يعظم الصخرة تعظيما يصلي وراءها وهي بين يديه كما أشار كعب الأحبار وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم ، ولكن من اللّه عليه بالإسلام فهدي إلى الحق ، ولهذا لما أشار بذلك ، قال له أمير المؤمنين عمر : ضاهيت اليهودية ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود ، ولكن أماط عنها الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه . وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها » « 1 » . رواية أبي هريرة وهي مطولة جدا وفيها غرابة قال الإمام أبو جعفر بن جرير « 2 » في تفسير سورة سبحان : حدثنا علي بن سهل ، ثنا حجاج ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره ، شك أبو جعفر ، في قول اللّه عز وجل سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا الآية ، قال : جاء جبريل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومعه ميكائيل ، فقال جبريل لميكائيل : ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر له قلبه وأشرح له صدره ، قال : فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات ، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم ، فشرح صدره فنزع ما كان فيه من غل ، وملأه علما وحلما وإيمانا ويقينا وإسلاما ، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة ، ثم أتاه بفرس فحمله عليه كل خطوة منه منتهى بصره أو أقصى بصره . قال : فسار وسار معه جبريل عليهما السلام ، قال : فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم ، كلما حصدوا عاد كما كان ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « يا جبريل ما هذا ؟ » قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل اللّه تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف ، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ، ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر ، كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء ، فقال « ما هؤلاء يا جبريل ؟ » قال : هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجنائز حديث 97 ، 98 . ( 2 ) تفسير الطبري 8 / 7 - 12 .